موفق الدين بن عثمان

411

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

هل لك أن تلى مصر ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّى أضعف عن ذلك ، وأنا رجل من الموالى . فقال أبو جعفر : ما بك من ضعف ، فإذا أبيت فدلّنى على رجل أقلّده أمر مصر . فقال : عثمان بن الحكم الخزامى ، رجل فيه صلاح وله غيرة . قال : فولّاه ذلك . وقال ابن خلّكان : رأيت في بعض التعاليق أنّ الليث كان حنفيّ المذهب ، وأنه ولى القضاء بمصر . وكان الليث في ابتداء أمره فقيرا لم يكن بتلك السّعة العظيمة ، بل كان له مال قليل لم يكن بالواسع ، حتى حلف هارون الرشيد بالطلاق من زوجته زبيدة بنت القاسم أنه من أهل الجنة ، ثم ندم واعتزل عنها ، وجمع كلّ فقيه في بلده ، فأفتاه جميعهم بالوقوع « 1 » ، فأنفذ خلف الفقهاء المصريين ، فدخل عليه في جملتهم الليث بن سعد ، فجلس في آخر الناس ، وضرب الرشيد ستر « الزبيدة » وقص عليهم قصتها ، فأفتى الجميع بالحنث إلّا الليث ، فإنه أطرق ، فقال الرشيد لأستاذ : امض وادع لي ذلك الرجل ، فجاء به إليه فقال : أنت فقيه ؟ قال : نعم . قال : ما تقول فيما قال أصحابك ؟ قال : إن أردت الجواب فأمر بإخراج الجميع . فأخرجوا ، وبقي الرشيد والليث وزبيدة ، فدعا الليث بالمصحف الكريم فقال : سألتك بالله العظيم ، هل قدرت على معصية وتركتها قط ؟ قال : نعم ، هويت امرأة ، وبذلت لها مالا عظيما حتى أذنت لي بالوصال ، ثم جاءت إلى عندي - وكانت ليلة جمعة - فلما دخلت إليها تذكرت عظمة اللّه تعالى ، وأنه جبّار منتقم ، وقلت : هذه ليلة جمعة ، فخرجت على فورى . فقال الليث : قال اللّه تعالى : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى « 2 » . ثم قال : أقسمت عليك بالله العظيم لمّا خفت ، هل كنت خائفا في ذلك الوقت من اللّه تعالى ، أو كنت بخلاف ذلك ؟ فقال : واللّه ما كنت إلّا خائفا .

--> ( 1 ) أي : بوقوع الطلاق . ( 2 ) سورة النازعات - الآيتان 40 و 41 .